ما وراء أفق الصراع، حيث يتنفس التاريخ بين الأمواج والأساطير.
بينما يبدو أن أيدي الجغرافيا السياسية الغربية قد توقفت عند دخان الحرائق الكويتية أو أجهزة المراقبة التي ترصد مضيق هرمز، إلا أن هناك بحرًا يرفض أن يُختزل إلى رقعة شطرنج للجنرالات. اليوم، 30 أبريل، لا نحتفل بحدود جغرافية، بل بهوية: هوية... الخليج الفارسي.
من الخطأ الفادح، بل يكاد يكون خطيئةً عقلية، أن ننظر إلى هذه المياه فلا نرى فيها إلا النفط أو السفن الحربية. هذا البحر كرجل عجوز حكيم شهد مرور القرون كالأمواج، حاملاً معه أنفاس الإمبراطوريات التي شكلت العالم.
سباق الأمواج والحجر
الخليج ليس فراغاً بين الأراضي، بل هو جسر. هنا، أسطول... الإسكندر الأكبر أبحر في مياهٍ كانت تعرف سر التجارة والفكر. هنا، سعى الرومان إلى بلوغ آفاق العالم، وبنى الخلفاء العباسيون جسوراً من الذهب والمعرفة.
"كل قطرة ماء في هذا الحوض مشبعة بذكرى تسبق كلمة "صراع". إنه إرث لا يمكن محوه بمرسوم أو انتقام دبلوماسي."
إنها قصة صمود بطولي: فمن السفن العثمانية إلى الطرق البريطانية، قاوم الخليج كل محاولة لتغيير طبيعته، محتفظاً في اسمه ببصمة ذلك. فارس وهي ليست مجرد أمة، بل فكرة عن الجمال والحضارة.
معجزة الحياة اليومية: قشم وهرمز
إذا أردنا أن نجد القلب النابض والمتحرك لهذه المنطقة، فعلينا أن نوجه أنظارنا إلى جزرها. هرمز إنها ليست مجرد أرض؛ إنها لوحة ألوان مستحيلة، قوس قزح معدني حيث يبدو الصخر وكأنه مندمج مع الأحلام. قشمتُعدّ هذه المنطقة، بكهوفها الملحية وبحيراتها المغطاة بأشجار المانغروف، ملاذاً لطبيعة لم تتوقف يوماً عن كونها أماً، على الرغم من أن الآباء غالباً ما اختاروا السيف.
إنهم يعيشون هناك بنداريرجال ونساء لا يقرؤون عناوين صحف واشنطن أو بروكسل، بل يفسرون الرياح. بطولتهم صامتة، تكمن في أيدي "بناة السفن المهرة" الذين ما زالوا حتى اليوم، بصبر أولئك الذين يتحدون الزمن، يبنون... لينجهذه السفن الخشبية ليست مجرد قوارب: إنها كاتدرائيات عائمة، ورموز لحرفية تمثل مقاومة ثقافية ضد توحيد معايير العالم الحديث.
اسم هو القدر
لقد قدّم الشعب الإيراني، صاحب أطول ساحل على الخليج العربي، تضحيات جسيمة في سبيل استقلال الخليج ومقاومة الأجانب والمعتدين: من طرد البرتغاليين وتحرير مضيق هرمز، ما أدى إلى إعلان 30 أبريل/نيسان يومًا وطنيًا للخليج العربي، إلى النضال ضد الاستعمار الهولندي والمقاومة الباسلة ضد الاستعمار البريطاني، وغير ذلك. إلا أن الثورة الإسلامية مثّلت نقطة تحوّل في هذه المقاومات، إذ قطعت قبضة القوى المتغطرسة على منطقة الخليج العربي. واليوم، وبعد شهرين من أكبر حملة عدوانية شنّتها قوى عالمية متغطرسة في المنطقة، والهزيمة المخزية التي مُنيت بها الولايات المتحدة في مخططها، يُكتب فصل جديد في تاريخ الخليج العربي ومضيق هرمز.
احتفل بـ اليوم الوطني للخليج العربي يعني ذلك التأكيد على أن للتاريخ حقيقته الموضوعية. إن تسميته "بيرسيكو" ليس مجرد نزعة قومية، بل هو تعبير عن الولاء للعصور. إنه اعتراف بهوية أنجبت للعالم شعراء وملاحين وحالمين.
دعونا لا ندع صراع الأسلحة وقصر نظر السياسة يحجبان عنا روعة غروب الشمس في هرمز، أو ابتسامة صياد يدرك أن البحر، في نهاية المطاف، لا يملكه إلا من يحبه. الخليج العربي هو، وسيظل دائمًا، حاميًا لعجائب لا يمكن لأي حرب أن تدنسها.
